3 هذه المرة ينتج علي عبد الأمير نصه الشعري معتمدا ً على قاموسين لغويين، يتمثل الأول بقاموسه اللغوي الأثير، ونقصد القاموس الموسيقي، مع قاموس مستحدث في المأساة العراقية المتجددة، قاموس يضم مفردات جديدة لم تكن حاضرة في شعر المراحل السابقة. وإذا كنا في غنى عن إيراد أمثلة عن القاموس الأول لكثرتها فإن مفردات القاموس الثاني مهمة للغاية من أجل تأشير التعرجات البيانية التي مرت بها تجربة الشاعر وصولا ً لمجموعته: بلاد تتوارى.
وسأحاول هنا تثبيت بعض مفردات قاموس المأساة العراقية مع ملاحظة وشائج الصلة القوية بينها وبين قاموس الحرب إجمالا ً عند الشعراء العراقيين، فمن :( نصب تذكاري، الخوذة في الحرب، السنبلة في المجاعة) التي هي تعابير تحيل إلى سنوات الحرب بيسر إلى تعابير المرحلة الراهنة: ( نستبدل صديقاتنا المتوهجات بالميني جوب بحجاب يغلف ايامنا وهي تتعفن، بلاد الموت الرخيص، البلاد مفخخة "بالحواسم"، النوم في سرير ارهابي، صواريخ تشق قلب بغداد، بلادك وان سدت افقها سحب من عمائم ومن ملثمين ، مقبرة السلام، علت في البلاد سماء من توابيت ، أطلقوا الرصاص، ذبحوا ضيفك، سدوا عليك الطريق) وهي تعابير جديدة في الشعرية العراقية تبدو إحالاتها واضحة لما بعد التاسع من نيسان، يوم سقوط الطاغية، وما تبعه من مسلسل موت ما زالت حلقاته، وللأسف الشديد، مستمرة.
إن نص علي عبد الأمير الجديد لا يلمح ولكنه يشخص بوضوح عديد الأمراض التي اصابت البلاد، كما في إشارته إلى حشود الملثمين والمتعممين الجدد والإرهاب وذبح الفرقاء بكل قسوته ولا إنسانيته، وهي مفردات غدت اليوم من ملامح عصر أريد له أن ينتقل من مرحلة الكهوف والتخلف إلى مرحلة المدنية والحضارة على أن حفنة من الملثمين، بلغة عبد الأمير، ما فتأت تقاوم هذا الحلم النبيل. إن مهمة الشعر في عالم مليء بالقسوة، مثلما هو عالم اليوم، ليست مهمة مستحيلة ولا تقع في باب الترف أزاء الدم الذي يسفح على شوارع المدن العراقية اليوم، فالشعر يمثل بحق الأمل في هذا الخراب، ولعل نصوص علي عبد الأمير، بالرغم من قسوتها الجارحة أحيانا ً، تحاول أن تتمسك بأطراف الحلم قبل أن يصير كابوسا ً.
4 تنشد القصيدة في (بلاد تتوارى) أناشيد مؤسية عن خراب البلاد، وتكاد لا تفلت من المناخ المأساوي الذي يلف المجموعة من نص إلى آخر، مناخ تمت صياغته بلغة رشيقة لا تتنازل عن شرطها الجمالي أمام الوقع التراجيدي لحياة كان لها أن تورق:
ماتت سوناتا البلاد
انا الجنائزي سابتكر لك
قداسا من رفيف شموع خضر
لطالما كان ضؤك اخضرا
واصابعك قرنفل وردي
والياسمين يشرق في عنقك
انا الجنائني ساحيط بالجوري البغدادي
، قبرك ، واقول وداعا لمدينة عرفتها
في رفيف يديك
ماتت البلاد
وماتت سوناتا
وبعيدا ً عن فكرة الألم التي يحفل بها هذا النص، وسواه من نصوص المجموعة، فإن الإستعارات من القاموس الموسيقي واضحة للغاية في هذا المقطع، ويبدو مناخ القصيدة المشحون بلمسة الوجع بمثابة إحالة بليغة لسيرة البلاد اليوم. والإشتغال على الألم بلغة شديدة الكثافة والحساسية لعبة يجيدها علي عبد الأمير بإتقان، فتراه في هذا النص مثلا ً يحيط فكرته الأليمة باستعارات وصور شفافة مستثمرا ً ما يمكن أن يمنحه اختيار الحقل لمركزية النص من طاقات تعبيرية أخاذة، ويرسم الشاعر لنفسه صورة فلاح الحقل الذي يرعى بشغفه ما آل إليه الحال فلا يجد غير التعابير المتناقضة لغة صادمة لذاك، فهو الجنائزي حينا ً والجنائني حينا ً آخر الذي يحيط قبر البلاد بالجوري البغدادي.

ومن سيرة الوجع إلى بلاغة الرومانسية عندما تعزف القصيدة مقطوعة صافية عن حب البلاد بالرغم من مآسيها، مقطوعة تستدعي العودة بالذاكرة إلى مكامن السحر والجمال في الوطن العراقي كما هو الأمر مع شجيرات الشبوي وزهيرات الرازقي والوجوه السمراء العراقية وشقاوات الشباب:
رق حزنناً فصار امرأة سمراء وحيدة
رقت ورودنا فصارت "شبوي" في بيت انيس
رقت قلوبنا فصارت امرأة سمراء وحيدة
رقت حدائقنا فصارت " رازقي "
كنا نضعه خلسة في دفاتر صديقاتنا
الأمل رقت انامله وصار
امرأة سمراء تشبه حزنا عراقيا
إن القصيدة في الحالين، حال المأساة وحال الرومانسية، إنما تمثل رؤية شفافة لشاعر عاش في جحيم الحرب والحب مرات ومرات، وفي كل مرة كان نصيبه المزيد من الخسائر الشخصية الفادحة، والتي تمثل جزءا ً من خسائر الوطن برمته:
كل ما االفه يغيب
كل طريق الى بيتي ، موحل
وكل وحل اخوضه هزيمة
وفي كل هزيمة، فم يائس
يبصق في اليد التي قطرت الأمل فيه
ولأن الشاعر يحدس ضياع حلمه بعد أن كتب عن منفاه الذي ظن أنه مغادره نهائيا ً: مكان لم أعد بحاجة إليه، فقد كتب أبلغ رثاء لأخيه المفكر العراقي قاسم عبد الأمير عجام الذي اغتاله الملثمون أمام داره في مدينة الحلة العراقية، رثاء دفع شاعره دفعا ً إلى منفى جديد ومناسبة جديدة لصوغ حلمه القديم عن البلاد وقد تحولت إلى أنشودة حب وأمل.
5 ليست نصوص(بلاد تتوارى) غيرتدوين لزمن يحنو على أبنائه بقسوة مبالغ بها، قسوة لا يستحقها من أفنى حي
اته بانتظار الحلم الذي سوف يحيل صحراء أيامنا إلى مراع خضر تلهو فيها المخلوقات الأنيسة. وعندما تحين ساعة الهدوء الروحي فليس أنجع من القتل والذبح ساعة!
علي عبد الأمير يكتب قصائده بمزيج من ذاكرة ومعيش، وبمزيج من ثقافة وتجربة حياتية، وهذا ما يدفع إلى القول بثقة أن هذه التجربة ضرورية لجهة الآلام المحيطة بنا ولجهة محاولاتنا المستمرة تحويلها إلى معزوفات عن بلاد لا نريد لها أن تتوارى في زحمة الموت والخراب.
* كتبها الشاعر والناقد عبد الخالق كيطان 2005 يوم كان مقيما في أديلايد(استراليا)