كما في مفارقة "احتمالات الوضوح" ديوانه اللافت والمؤثر، حيث "احتمالات" اشارة الى التردد واجتماع النقائض، و"وضوح" في اشارتها الى العلني والمؤكد والجلي في حضوره، جاءت مفارقة "عش مهاجر" التي تضمنتها قصيدته "الوقت المتبقي"(ايلاف قبل ايام) حيث:
كنتُ يافعاً أبني عُشّي
فيمرّ هارباً مثل طائرٍ مهاجر
ثمة اذن "عش" في دلالته المؤكدة على الاقامة والهدوء والامن والرعاية والحنو والاحتفاء بالزغب، لكنه وان كان كذلك فهو "هارب" وان شئت "مهاجر".وابعد من المفارقة تمضي كتابة مؤيد الراوي، فهي انسجام عميق مع الذات وتطامن مع الهادىء في النفس حتى وان كانت الايام حوله صخبا وجلبة وفوضى. هو هنا "عش" لجهة احتفائه الذاتي والانساني بالدافىء والحميم والمنمنم المكتفي بالقليل القليل، مثلما هو "المهاجر" الابدي الذي لم يجد في عناءات ترحاله الطويلة والمضنية ما يبعث على الشكوى والبقاء اسير الحنين الى جذوره "شائكة" مع المكان الاول. أليس هو القائل في توضيح علاقته بثنائية تكاد تشكل جوهر حياته وعمادها: العراق والمنفى" قضيت حوالي أربعة عقود من عمري خارج العراق، ولعلني، ربما من العرب القلائل، الذين لا يعتبرون أنفسهم شعراء ينتمون إلى بلادهم بقدر ما هم شعراء في هذا العالم، حاضرون في كل الأمكنة، مدارهم رحب، يفعل فيهم جدل الثقافات أشد مما تفعل فيهم مشاعر بقعة معينة. تكتنز أعمارهم بمعرفة تمتد إلى قرون وهم يواجهون بها تناقض الأفكار وكثرتها والحفر فيها للاغتناء بها ". وهذا كلام جوهري، فثمة" عش" يقارب المعنى في "تكتنز اعمارهم" مثلما هو "مهاجر" قضيت حوالي اربعة عقود (اليوم تشارف على الخمسة) من عمري خارج العراق". هذا الاستدلال على حيوية صورة شعرية بما يتصل بها في كلام نثري جاء اقرب الى الشهادة عن اوضاع العراق ما بعد العام 2003، هو ما عنيته في الاشارة الى ان كتابة الراوي، انسجام عميق مع الذات وتطامن مع الهادىء في النفس حتى وان كانت الايام صخبا وقلة تدبر.
صورة الشاعر الراوي 2003 (كاميرا علي عبد الامير)
آمال العراق وآلامه
في أواخر الشهر الثاني عشر من العام 1982 كنت بدأت عملي ضابطا مجندا في الفوج الأول لواء المشاة الخامس الذي كان متجحفلا في جبهة البصرة الساخنة جدا تلك الايام، وقبلها بفترة قليلة كان قرار لوزير الدفاع قد وضع حدا لخدمة عسكرية مريحة نسبيا وسمت سنتي الاولى في الجيش حين كنت مجرد "طبيب بيطري جندي مكلف" أقضي أيامي في بقاع كردستان الجميلة، وتحديدا قاطع أربيل متوزعا بين وحدات تحتاج صنفي الطبي في توفير الخدمة الصحية للبغال (آلة النقل الرئيسة بين ربايا الجيش في القمم العالية) وفحص اللحوم والأرزاق الطرية وتبيان مدى صلاحيتها للاستهلاك البشري.
لم أعرف معنى ان أتحول من طبيب بيطري بجهد محدود في الجيش الى "ضابط آلي" مسؤول عن عدد كبير من عجلات الركوب والحمل والعجلات و"تناكر" الماء والوقود، الا بعد أن وصلت الى وحدتي الجديدة. فبعد أيام من تأقلمي على الواجب ومعرفة مكان وحدتي المتوزع ما بين الخطوط الأمامية قرب منطقة تسمى "البحيرة" وكانت شهدت أحد أكثر المعارك دموية في الحرب والخطوط الخلفية قرب مدينة الدير، حتى صدرت الأوامر لنا في الثاني من كانون الاول 1982 بالتحرك الى العمارة وتحديدا لاخذ موقع قتالي قرب مدينة "الطيب"، وبعد تأمين نقل جنود الوحدة وضباطها ومعداتها في عمل إستمر ثلاثة أيام بنهاراتها ولياليها كان علي أن أخلد للراحة قليلا في مقر إقامتي والذي سيكون قرب برج محطة التلفزيون في العمارة، وهو مكان تنفتح فيه عشرات المواقع العسكرية.
هناك في أرض مالحة التربة يتحول فيها المطر الى بحيرات من الطين اللزج الذي تغوص فيه الأقدام بسرعة، هناك بين تلال الاطارات المستهلكة والسيارات والمعدات المعطوبة، بدأت أتعرف شيئا فشيئا على منتسبي وحدتي وأقسامها :الضابط الإداري الذي أقاسمه إدارة المنطقة الخلفية ومسؤوليتها، بريد الفوج، بريد السرايا، الرواتب وغيرها. وفي ذات ظهيرة كنت أتمشى مستمعا عبر راديو ترانسستور في جيبي الى إغنية جميلة لفريق "شيكاغو"، وكانت حينها تتقدم المراتب الاولى في لوائح الاغنيات الاكثر رواجا في أميركا وعدد من الدول الأوربية، أغنية"Hard To Say I'm Sorry "، إستوقفني مشهد جندي وهو مستلق في غرفته يقرأ كتابا. دخلت الى الغرفة وكانت تعود الى "قلم الرواتب" نهض نائب عريف كان منكبا على بعض الأوراق فيما إستدرك الجندي القارىء تأخره عن النهوض فوقف مؤديا التحية، لكنني لم أكن مشغولا بذلك بل بالكتاب الذي عرفته على الفور من لون غلافه الاخضر الحشيشي وطريقة كتابة عنوانه"كيف كتب الاخضر بن يوسف قصيدته الجديدة"...ياه..شعر وسعدي يوسف دون غيره وأين ؟ في ثكنة عسكرية!
كان هذا هو جندي أول قلم الرواتب "صلاح كرادة"..ملامح عراقية مثالية أكان في سمرته وطوله وتبرمه أيضا..ملامحه المتبرمة تلك ومشاعره غير الودية مني جعلتني أطمئن اليه على الفور، فهو يتوقعني ضابطا تقليديا إستحق منه الضجر لما عرف عن الضباط نفورهم من الجنود خريجي الكليات والمواظبين على الإتصال بالمعرفة منهم على وجه الخصوص..لم أطل مكوثي في الغرفة لكن عيني قفزت من عنوان "الاخضر بن يوسف" الى عيني صلاح فوجدت فيهما إحساسا بالضجرموجها نحوي، فاحترمت هذا الإحساس "النبيل" وخرجت.
ذات ليل وفيما كنت إنتهيت من قراءة ديوان (ممنوع) للشاعر مؤيد الرواي هو "احتمالات الوضوح" أرسلت أحد جنود قسمي بطلب حضور الجندي الأول صلاح، والذي جاء مرتبكا وقيافته غير مرتبة، فحاول تفسير ذلك بان الوقت متأخر وهو كان "محلل" أي خالعا لملابسه العسكرية، لم أرد على توضيحاته وطلبت منه الجلوس الى وسألته مباشرة: ما رأيك أن تبادلني كتابك بهذا الديوان (كنت ارفع بيدي وقريبا من الفانوس كتاب الراوي)..تطلع اليه صلاح وبرقت في وجهه إبتسامة فخرج مسرعا وعاد بالكتاب، وبدأنا الحديث عن الجامعة ومحنة الحرب وتحولي دون إرادتي من جندي الى ضابط .......وتحدثنا كثيرا عن الشعر.
نعم كان كتاب الراوي الي، مثلما سيكون الى صديقي الجندي الضجر، فانوسا روحيا يضيء في عتمة الحروب، ويبقي للنفس اغنيتها الخافتة لكنها الجهيرة في قوة اعلاء الامل وان كان معفرا بتراب الجثث المنسية!
شتاء 2003 ..تفاؤلي وتوجس الراوي
في اوائل العام 2003 واذ بدا امر الحرب مؤكدا، نظم الصحافي والتشكيلي اسماعيل زاير ندوة قرب امستردام بهولندا للبحث في صورة العمل الصحفي في عراق مابعد الديكتاتورية، وحضرها عدد من المثقفين والصحافيين العراقيين، وفي جلستها الثانية كانت لي مساهمة هي اقرب الى توثيق راهن البلاد (قبيل الحرب) انطلاقا من متابعاتي المطولة لوقائع العراق السياسية والاجتماعية والثقافية عبر عملي مراسلا لصحيفة "الحياة" اللندنية من العاصمة الاردنية عمان. وبحسه المرهف والعميق، وجد مؤيد الراوي في حديثي "نبرة تفاؤل" وان كانت غير جلية، فقابلها بشيء من التوجس القائم على خبرات شخصية وموضوعية في معايشة حصن الالم والقسوة: العراق.
الآن حين اعاين تلك الجلسة، أبدو اقرب الى هشاشة المخدوع بالامل، فيما هو كان اقرب الى تمعن الحقيقة انطلاقا من "خبرات في مجالدة الالم"، كما اقول في نص شعري لي.
تلك النبرة المتشككة، وان وردت بلطف غامر في تعقيبه على شهادتي في الندوة الصحافية، هي على الارجح مما تحول من نبرة الى قول واضح وصاف ضمن شهادته الشخصية عن حال عراق ما بعد العام 2003 وموقف الشاعر حياله(موقع ايلاف 2004)، فهو يقول:" من السهل على السياسي أن يحدد الاسباب ويقدم حلولاً إلا أنه يقوم بذلك على نحو آلي بعيداً عن الضمير وعن التأمل في المصائر الفردية التي حسبنا اعتقد هدف أي تحول وإصلاح. ولكن الأمر بالنسبة إلى الشاهد يمتزج بالمعاناة ولا ينظر بشكل جمعي وآلي لما يحصل هناك. الشاهد رهينة البحث عن المعنى وعن جوهر القسوة وعن اسباب الخراب، مثلما هو مبشر للفرح واللعب. وأعتقد بأن الشاعر وكاتب النص شاهد بالدرجة الاولى يحفر في العمق."
ومع انه كتب في آخر شعره: "مرثية لنا نحن /الباقون والشمس تغرب" و " إنها عتمةٌ إذاً؛ هو الليلُ دامسٌ" الا ان في نفسي اغنية هي من "هشاشة المخدوع بالامل" ذاتها، اغنية المحبة الصافية لمؤيد الراوي في عيد ميلاده السبعين**.
* عيد ميلاد الشاعر مؤيد الراوي في 13 آب. والمقال نشر في "ايلاف" 2009